الرئيسية / مقالات / الرهان الديمقراطي في العالم العربي

الرهان الديمقراطي في العالم العربي

محمد المحمود/

يراهن كثيرون على التجربة التونسية في العمل الديمقراطي العربي؛ كتجربة رائدة يمكن لها أن تقود قاطرة الإلهام في هذا المجال. وهو رهان لم يتشكل بفعل الإحداثيات الراهنة المتعلقة بالانتخابات الأخيرة التي يبدو أنها تجري على قدر معقول من النزاهة والتسالم السياسي؛ وإنما هو رهان قديم، يمتد إلى الأشهر الأولى لاحتجاجات الغضب (الربيع العربي) أي إلى الزمن الذي كانت فيه تونس تصنع تجربتها المغايرة ـ نوعا ما ـ لمثيلاتها في الدول التي استلهمت منها غضبها الشعبي، ولكنها ـ أي دول الاحتجاجات باستثناء تونس ـ وجدت نفسها في مسارات تعود بها إلى المربع الأول، بل وإلى ما هو أسوأ؛ إذ إن كثيرا منها اليوم يرضى من “الغنية الثورية” بالإياب.

لكنني مع تفاؤلي المُتَردّد، بل تفاؤلي الحذر، المشوب بشيء من التشاؤم، لا أجد التجربة التونسية ـ حتى في حال تجاوزها القنطرة إلى الضفة الأخرى، حيث الديمقراطية ـ قادرة على صناعة الإلهام الديمقراطي للعالم العربي، لا لتوقعاتي بشأن القصور والأعطاب والارتدادات التي قد تعترض التجربة لاحقا؛ فتشوه معالمها، وإنما لكون تونس ليست من مراكز الثقل العربي، لا على المستوى الديمغرافي، ولا على المستوى الاقتصادي، ولا على المستوى الثقافي والإعلامي، ولا على مستوى التأثير السياسي.إن التحول الديمقراطي هو ـ في عمقه وفي حقيقته ـ تحوّل ثقافي

تونس، من حيث اعتبار هذه المستويات الأربعة، ليست هي كالجسد الصلب للعالم العربي: مصر، هذا الجسد الذي يحفظ كثيرا من التوازنات المرئية وغير المرئية بدافع ثقله الديمغرافي، وبموقعه الاستراتيجي، وبتاريخه وتراثه النهضوي الذي تتلمذت عليه أجيال من رواد النهضة في العالم العربي، بل إن تونس، حتى على مستوى الثقل الإقليمي، ليست هي “المغرب” غربا، وليست هي “العراق” شرقا. أثر تونس أقل مما يمكن لهذه أو تلك في مسيرة التحولات الكبرى. ربما المغرب ـ في تقديري ـ هو البلد العربي الذي يقود التجربة الأهم ديمقراطيا، التجربة الأكثر استقرارا، والأكثر اكتنازا بالوعود على المدى البعيد.

إن التحول الديمقراطي هو ـ في عمقه وفي حقيقته ـ تحوّل ثقافي؛ يتفاعل جدليا مع تحولات مجتمعية مسلكية في مستويات متعددة؛ قبل أن يصل للتحول السياسي الشامل. الآليات الديمقراطية الشكلية يمكن أن تتحول ـ وخاصة في المجتمع الذي لم يصل بَعدُ لدرجة التنوير المناسبة ـ إلى أدوات شعبية تُشرعن المسارات السلبية، إما بفتحها المجال للقوى الرجعية: العشائرية، أو الجماعات المتعصبة دينيا، أو الأحزاب الشوفينية، أو التشكلات العِصَاباتية: مافيا الرأسمال…إلخ، وإما بفتحها المجال لنوع من الفوضى، والحرية السائلة، والترهل المؤسساتي الذي يعيق عمل الدولة، ويجعلها تقف عاجزة عن أداء مهامها الأساسية، الأمنية والخدمية؛ ولو في حدودها الدنيا.

تقف التجربة العراقية فيما بعد 2003، ومن قبلها اللبنانية، كشاهد على العقبات الثقافية والاجتماعية التي تخترق النظام الديمقراطي في تمظهره الشكلاني في الواقع. المفكر العراقي القدير عبدالجبار الرفاعي، وبعد تجربة العراق المؤلمة، أشار صراحة إلى أن المجتمع العراقي “لا يصغي وينقاد إلا لرجل دين أو شيخ عشيرة” (الدين والظمأ الأنطولوجي، ص69). وما يصدق على العراق يصدق على كل الأقطار العربية بدرجات مختلفة، لكنها لا تتفاوت كثيرا؛ بدليل ما يحصده الوُعّاظ والخطباء الدينيون من عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي، أو من مشاهدين على منابر الوعظ الفضائي.

لبنان، أو “سويسرا الشرق”؛ كما يلحو لبعضهم أن يطلق عليه، هذا البلد الذي تمتد جذور تواصله مع الحداثة ما قبل قرنين تقريبا، والذي كان على امتداد القرن العشرين هو البلد العربي الأكثر تطورا وانفتاحا في المجال الثقافي؛ كما في المجال الاجتماعي، وهو أيضا البلد الذي تشكّلت فيه تجربة سياسية رائدة منذ الاستقلال، نجده اليوم رهين حزب ديني رجعي يخترق كل معادلات الديمقراطية الشكلية القائمة أساسا على محاصصة ما قبل حداثية. أكثر التجارب “وعدا” في منتصف القرن العشرين؛ تصبح هي أكثرها “وعيدا” في مسار الانتكاسات العربية التي جعلت مستقبل الأمة في ماضيها السحيق.ثمرة الديمقراطية الناضجة هي نتاج غرس قديم، ورعاية فائقة ودائمة

التصحّر الديمقراطي في لبنان يجري على يد حزب ديني متعصب، ملتاث بأيديولوجية تنتمي للقرون الوسطى، وبولاءات سياسية عابرة للحدود، وبالتالي برؤية عابرة لأبجديات الدولة الحديثة. وكأن في هذا المسلك الانتكاسي، في هذا الجزء المُنَمْذج من هذا العالم العربي الواسع، ما يؤكد فحوى مسار ثقافي عربي يرتد إلى الوراء بأكثر مما يتقدم إلى الأمام، مسار يلهج بالديمقراطية كشعارات؛ دون أن يكون لديه أدنى استعداد للوفاء بشروطها في الواقع؛ ما دام أن هذا الوفاء سيتعارض مع بعض المكتسبات الظرفية التي لا يرى ما هو أبعد منها، فالمستقبل لديه ليس مستقبل وطن، وإنما هو فقط مستقبل طائفة أو قبيلة أو جماعة دينية أو حزب سياسي.

إلى الآن؛ ليس ثمة وعي نخبوي عميق بالديمقراطية، فضلا عن الوعي الجماهيري. تتصور الجماهير العربية ـ بما فيها شرائح واسعة من النخب المشتغلة على الهم الديمقراطي ثقافة أو ممارسة ـ أن الديمقراطية هي عدالة ومساواة ورخاء وأمن واستقرار. يشتعل هذا الوهم في مسارات وعيهم؛ لأنهم يرون العالم الغربي الديمقراطي متمتعا بالعدالة والمساواة والأمن والرخاء والاستقرار. لهذا، هم يريدون هذا “الحل السحري”؛ دون أن يكونوا على استعداد للتخلي عن معوقاته العميقة في تراثهم وثقافتهم ومواضعاتهم الاجتماعية. إنهم يرفضون التصورات الفردانية، ويتماهون ـ حَدّ العشق الأعمى ـ مع التشكلات الكليانية، من دينية وطائفية وعشائرية؛ وفي الوقت نفسه يريدون ديمقراطية تشابه أو تماثل ديمقراطية الغرب، يُقدّسون طغاتهم في “تاريخهم المجيد” حَدَّ العبادة، يتحرّقون شوقا إلى زمن معاوية وعبدالملك وهشام والمنصور والرشيد والمعتصم ومحمد الفاتح، وربما سليمان القانوني وعبدالحميد الثاني؛ وفي الوقت نفسه يريدون ديمقراطية تنزع القداسة عن المسؤول، وتتعامل معه كموظف عمومي عابر خاضع للحساب!

إن الطريق إلى الديمقراطية ليس مفروشا بالورود؛ كما يتوهم المرتهنون إلى ظواهر التجربة في تمثلها الأخير. الأشواك الثقافية المتجذرة في العقول، في عقول كثير من النخب الثقافية، فضلا عن الأغلبية الساحقة من الجماهير العربية، هي ـ بالدرجة الأولى ـ مُعوّقات التجربة الديمقراطية، وليس خذلان هذا أو ذاك، أو تآمر الداخل أو الخارج، هذا الخذلان أو التآمر الذي إن حدث؛ فهو لا يتشغل إلا على هذه الأشواك ابتداء.إلى الآن؛ ليس ثمة وعي نخبوي عميق بالديمقراطية، فضلا عن الوعي الجماهيري

الطريق وَعْر وطويل وشائك ومُربك. فيلسوف الأديان الإيرلندي تيم والاس ميرفي يلمح إلى هذا الطريق الطويل المرهق الذي عَبَره الغرب في طريقه إلى الديمقراطية؛ بعد أن يستعرض واقع العرب/ المسلمين اليوم، حيث التخلف والتفكك والتشرذم الذي يبعث على اليأس في معظم الأحيان. يقول عن عالَمِه الغربي كشاهد: “مرت الأمم الأوروبية كلها في مراحل استبداد ودكتاتورية وصراع مدمر، ولكن مع المد المتصاعد للتعليم وإلهام جماعة البنائين الأحرار اللذين يوجهان أحلامنا بالديمقراطية تجاوزنا ذلك، أحيانا بسلام وأحيانا بتمرد عنيف. والحقيقة أن التحول نحو الديمقراطية حدث في القرن الأخير أو نحوه فحسب، وهو إجراء لا يزال مستمرا في أجزاء من أوروبا الشرقية اليوم” (ماذا فعل الإسلام لنا، ص256). أي حتى في أوروبا، معقل الديمقراطية وحرمها الأقدس، لا تزال بعض الجيوب تكافح لتصل للحد الأدنى المقبول من دول الاتحاد.

إذن، المسار طويل، وثمرة الديمقراطية الناضجة هي نتاج غرس قديم، ورعاية فائقة ودائمة؛ لأنها ـ بطبيعتها ـ ثمرة قابلة للتحلل والفساد في أسرع وقت، ولأبسط الأعراض/ الأسباب، فالطبيعة البشرية (التي تتموضع فيها ـ ومن خلالها ـ الديمقراطية في الواقع)؛ تقف على الضد منها في نوازعها الأنانية والاستبدادية، بل والعدوانية أحيانا. وكثير من المُنظّرين السياسيين المُتعمّقين يرون أن ثمة دروسا قاسية مؤلمة من الواقع لا بد منها؛ كي تترسخ قناعة “المُتَألمين” أن الديمقراطية ـ رغم كل أعطابها وتشوهاتها ـ أقل ألما، أي ليست هي الأفضل، ولكنها الأقل سوءا؛ كما يُقال. وفي كل الأحوال، الديمقراطية كحالة/ كتجربة، لا تُنْجز على نحو كامل، ولا تتناغم في كل المسارات بمستوى واحد، وإنما تتحقق ـ ثقافيا؛ فسلوكيا ـ بِنِسَبٍ متفاوتة، مترددة على مستوى موجات صعودها/ اكتمالها في الثقافة، كما في الواقع العملي.

عن INN-News

رئيس التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل يواجه لبنان فعلا خطر تدهور قيمة عملته المحلية؟

تصاعدت المخاوف خلال الأسابيع الأخيرة في لبنان إزاء احتمال تدهور قيمة العملة المحلية، مع شحّ ...