الرئيسية / مقالات / هل سيشعل الفساد المستشري فتيل الخريف العربي؟

هل سيشعل الفساد المستشري فتيل الخريف العربي؟

خلال الشهرين الماضيين، اجتاحت موجة من الاحتجاجات شوارع مصر والعراق ولبنان. وبلغ عدد المحتجين الذين نزلوا إلى الشوارع في لبنان أكثر من مليون شخص ينددون بالظلم، وكان ذلك غالبا في تحدّ للقمع العنيف الذي تمارسه السلطات. وعلى الرغم من اختلاف المطالب التي نادى بها المحتجون في البلدان الثلاثة، بل تختلف حتى فيما بين الحركات في نفس البلد، إلا أن هذا الغضب العارم قام على قاسم مشترك بينها: الفساد وسوء الإدارة المالية للحكومات.

تفشي الفساد يقترن بالنيل من الحقوق

في آخر مقياس للفساد العالمي الذي أصدرته منظمة الشفافية الدولية للفترة 2015-2016، بلغت نسبة الرشوة أعلى مستوياتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مقارنة ببقية المناطق في العالم وفقا لردود المشاركين في المسح، حيث أفاد 30% منهم بأنهم دفعوا رشوة لقاء الحصول على خدمة في القطاع العام في تلك السنوات. وكشف مؤشر مدركات الفساد للعام 2018 عن عجز معظم البلدان في المنطقة على إحراز التقدم في مواجهة الفساد.

وأفادت كندة حتّر، المستشارة الإقليمية المعنية بالشرق الأوسط وشمال إفريقيا لدى منظمة الشفافية الدولية، أنه “لا يمكن الفصل بين موجة الاحتجاجات الحالية التي تندد بالفساد والسيطرة القمعية للدولة وخرق العقد الاجتماعي. فالسبب في اندلاع كل هذه الاحتجاجات التي يشهدها الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في 2019، يعود إلى فشل الحكومات في تلبية مطالب المواطنين التي ما زالوا ينادون بها منذ انطلاق احتجاجات الربيع العربي في 2010. وتستوجب مواجهة تحدي الفساد المستشري في معظم الدول العربية إصلاحات شاملة ومنهجية تقطع الطريق أمام استحواذ الأنماط والأطراف القديمة على الحكم أو عودتها إلى المشهد بعد فترة التهدئة. وهو ما لم يتحقق في معظم البلدان، ولم يقع إدخال الإصلاحات الصارمة الرامية إلى محاربة الفساد استجابة لمطالب المحتجين.”

لبنان 

كانت الخطط الحكومية الرامية إلى فرض الضرائب على الرسائل الهاتفية المرسلة عبر الانترنت الشرارة الأولى التي أشعلت فتيل الاحتجاجات التي يشهدها لبنان حاليا، ولكنها لم تكن سوى القطرة التي أفاضت كأس سنوات من الغضب إزاء فساد الحكومة وسوء تصرفها، بدءاً من تفاقم أزمة النفايات بسبب إسناد عقد التخلص من النفايات إلى زعيم سياسي وصولا إلى تفشي الفساد الصغير في جميع مجالات الحياة. 

وكشف مقياس الفساد العالمي لسنة 2015 عن أن من يعيشون في لبنان هم أكثر من يعتقد أن الفساد قد بلغ أعلى مستوياته في مكتب رئيس الوزراء وفي صفوف نواب الشعب والموظفين الحكوميين والمستشارين المحليين.

وينبغي اعتماد خطة شاملة لمكافحة الفساد الممنهج الذي ما انفك يتفاقم عبر السنوات. ولكن رد الحكومة والإجراءات التي اقترحتها فور اندلاع الأزمة كانت متواضعة للغاية، في حين أن ضمان مستقبل خال من الفساد كما ينشده الشعب يستوجب إصلاحات جذرية. وللتوصل إلى الحل يجب أن يكون المسار تشاركياً، أي على الحكومة أن تشرك المجتمع المدني والمواطنين ليكون التغيير مستداماً ولاستعادة ثقة المواطنين في إطار منظومة جديدة. ويشمل ذلك الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد التي طال انتظارها والعمل على تحديد المعايير التي ستقوم عليها محاربة الفساد. 

العراق

في ظل ارتفاع نسبة البطالة في صفوف الشباب وضعف الجهود الإصلاحية؛ احتشد آلاف العراقيين، معظمهم من الشباب، في شوارع العراق في مطلع شهر أكتوبر. وتلى ذلك مشاهد صادمة للقمع العنيف الذي مارسته قوات الأمن حيث استخدمت الرصاص الحي ضد حشود المتظاهرين السلميين، وأودت بذلك بحياة أكثر من مائة شخص وإصابة الآلاف. 

وهيمنت المجموعات الطائفية على الساحة السياسية العراقية منذ الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003 الذي أطاح بصدام حسين. وأدت تجذر السلطة فيما بين هذه المجموعات إلى إحداث انقسامات في صفوف الشعب وفسح المجال أمام الأحزاب السياسية لتهيمن على حيز أكبر من مجالات الحياة. وألقى ذلك بظلاله على كل الأصعدة بدءا من فرص العمل وصولا إلى توزيع العقود الحكومية مما شكل أرضية خصبة لتفشي الفساد. وقبل فترة قصيرة، في شهر سبتمبر تحديدا، أغلقت قناة الحرة، وهي قناة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، بعد قيامها بالحديث عن الفساد في هذه المجموعات الطائفية. ويتعين أن تستند جهود مكافحة الفساد في العراق إلى تكريس احترام الحقوق والحريات الأساسية مثل حرية التجمع والاحتجاج والتعبير.

مصر

دعا المحتجون في أيلول/سبتمبر إلى تنحي الرئيس عبد الفتاح السيسي عن السلطة وكانت هذه الاحتجاجات من بين الحالات النادرة التي يخرج فيها المتظاهرون للتعبير عن معارضتهم للحكومة الاستبدادية منذ استحواذ السيسي على السلطة بعد انقلاب 2013 الذي قام به بعد سنتين من خروج المتظاهرين الذين أجبروا حسني مبارك على التنحي وإنهاء حكمه الذي دام 30 عاماً.

وكان الفساد المستشري في صفوف الجيش ودور الجيش في اقتصاد البلاد من العوامل الأساسية التي أججت غضب الناس ودفعتهم للخروج إلى الشوارع الشهر الماضي. وفي مطلع هذا العام مُررت مجموعة من التعديلات الدستورية لتعطي الجيش سلطات أعلى في البلاد. علاوة على ذلك، يتقلد أقارب السيسي مناصب محورية في مختلف المؤسسات على غرار الوكالات الاستخباراتية.

واحتُجز آلاف المتظاهرين إثر القمع العنيف للاحتجاجات التي أصبحت غير قانونية منذ تولي السيسي مقاليد الحكم سنة 2013. وبات هامش الحرية للمجتمع المدني ضيقا بدرجة خطيرة، حيث انتشرت حالات الاختفاء القسري والإقامة الجبرية وحالات التعذيب.

بارقة أمل

في هذه المنطقة التي أصبح من النادر فيها إيجاد سبب يبعث على التفاؤل فيما يتعلق بجهود مكافحة الفساد، ظهرت بعض بوادر الأمل هذا العام. ففي تونس، التي أُجريت فيها الانتخابات الأخيرة في ظروف سلمية، سُجلت مشاركة واسعة وواعدة للشباب والمجتمع المدني في الشأن العام، وهو ما يُمهد الطريق نحو تطوير منظومة الضوابط والتوازنات في البلاد. وتقول كندة حتّر في هذا الصدد: “بعد الثورة التي انطلقت سنة 2010 وسقوط نظام بن علي سنة 2011، تغيرت المنظومة برمتها في تونس. وقد مرت هذه المرحلة بانتكاسات، إلا أن الانتخابات التي أجريت هذا الأسبوع تكشف عن الوعي العام بالحاجة إلى المساهمة في المنظومة والمشاركة في إحداث التغيير ومطالبة ممثلي الشعب به. وثبت أن هذا هو الطريق الذي سيؤدي إلى إرساء قواعد متينة تستند إليها الديمقراطية.”

أما في الجزائر، فقد أدت احتجاجات حاشدة في مطلع عام 2019 إلى استقالة الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وفسحت المجال أمام تعزيز مشاركة المجتمع. ولكن “الحراس الكبار” لا يزالون على رأس السلطة، ولايزال المحتجون يطالبون بالتغيير على الرغم من القمع الشديد لحرية التعبير. وإن لم يحدث تغيير يضمن تكريس الحوكمة الرشيدة والمساءلة في الحياة السياسية في الجزائر، سيظل الفساد الذي اتسم به النظام السابق والذي كان الدافع وراء الاحتجاجات الشعبية على حاله.

وشهد صيف هذا العام أيضا الإطاحة بالحكومة في السودان، التي حصلت على 16 نقطة فقط من 100 نقطة على مؤشر مدركات الفساد، وهي بذلك تكاد تكون في آخر ترتيب 180 دولة. ويقبع الآن الديكتاتور الذي كان على رأس السلطة، عمر البشير، في السجن على خلفية اتهامات بالفساد، بعد أن أطاح به الجيش عقب الاحتجاجات. وخرجت مظاهرات مؤخرا تطالب بحل حزبه بينما تعمل إدارة عسكرية – مدنية مشتركة على تأمين انتقال البلاد نحو الديمقراطية.

الشتاء على الأبواب؟

لقد شهد عام 2019 موسما آخر من رياح التغيير التي هبت على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، والتي تضرب بجذورها في نداءات التغيير التي ظهرت منذ عقد مضى. ولكن السؤال المطروح هنا هو: هل سيصغي الزعماء في المنطقة لمطالب المواطنين أم أنهم سيواصلون طريقهم على نفس المنوال؟ فالإصلاحات الهشة لن تتمكن من إرضاء شعوب أنهكتها عقود من إفلات زعمائها من العقاب، ويُرجح أنها ستقتصر على تأجيل انفجار الغضب الشعبي القادم. 

والأهم من ذلك أنه يتعين على الحكومات أن تحترم الحق في الاحتجاج السلمي وأن تتفاعل على نحو بناء مع الحركات الناشئة للمجتمع المدني. 

مقياس الفساد العالمي – الشرق الأوسط وشمال إفريقيا 2019

ستصدر منظمة الشفافية الدولية في ديسمبر 2019 مقياس الفساد العالمي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الذي يوثق مدركات المواطنين للفساد وتجاربهم في هذا الصدد في كل من الأردن ولبنان والمغرب وفلسطين وتونس والسودان.

Image: Mostapha Raad

عن INN-News

رئيس التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الخارجية الأميركية تدعو الى تسهيل تشكيل حكومة جديدة

دعا مسؤول في الخارجية الأميركية القادة السياسيين في لبنان إلى “تسهيل تشكيل حكومة جديدة بشكل ...