الرئيسية / اخبار عربية / لبنان يئن.. مزاريب هدر ومليارات ضائعة بغطاء سياسي!

لبنان يئن.. مزاريب هدر ومليارات ضائعة بغطاء سياسي!

يجمع بعض المراقبين الاقتصاديين على أن لبنان يمر بمراحل خطيرة من الهدر والفساد، وهو على شفير تدهور اقتصادي مع ما يعكسه ذلك اجتماعياً.

ويبدو أن الحكومة التي تناقش أرقام الموازنة العامة حالياً، على وقع إضرابات وشلل في مؤسسات عامة متعددة، أمام خيارين لا ثالث لهما، التقشف أو الانهيار.

وبالتوازي مع مناقشة ودراسة أرقام الموازنة وما حُكي عن مسّ بالرواتب والأجور لسدّ العجز، تحدّث معنيون عن خيارات عديدة متاحة أمام الحكومة اللبنانية لتأمين واردات بعيداً من جيوب الفقراء وذوي الدخل المحدود أو اللجوء إلى فرض ضرائب جديدة، ومزاريب هدر عديدة إذا ما تمّت معالجتها بشكل جدّي تدر على الخزينة أموالاً طائلة. فما هي تلك المزاريب؟

جيش من الموظفين و”المحسوبيات”

يعاني القطاع العام في لبنان من “تضخّم” تجاوز الخطوط الحمراء، فبات يضمّ جيشاً من الموظفين “المحشورين” في الإدارات العامة لاعتبارات خاصة وانتخابية بما يصل إلى 300 ألف موظف، لا يمكن للبنان، الدولة الصغيرة، أن يتحمّل أعباءه في حين لا يحتاج إلا إلى 16 و18 ألفاً.

وبحسب بعض الأرقام التقريبية المتداولة عن حجم القطاع العام اللبناني، فإن نسبة الموظفين فيه تُقدّر بـ 25% من حجم القوى العاملة اللبنانية (يستهلك 36% من موازنة الدولة) أي نحو 300 ألف موظف، وهي نسبة مرتفعة مقارنةً مع دول أخرى، بحيث لا تزيد في اليابان عن 6%، وفي ألمانيا وفرنسا عن الـ 14%.

وعلى سبيل المثال لا الحصر، في دولة عاجزة كلبنان، 120 موظفا يتقاضون رواتب أعلى من رواتب الرؤساء، رواتب هائلة لمديرين في مؤسسات عامة ومصالح يكبّدون الدولة أموالاً طائلة حتى إن بعضهم يعمل في مؤسسات متوقفة عن العمل كمديرية سكة الحديد.

ووفق تقرير للبنك الدولي، فإن كلفة المحاصصة السياسية في لبنان تتراوح ما بين 4 و5 مليارات دولار أميركي.

واشترطت الدول المانحة في مؤتمر “سيدر” الذي عُقد في نيسان/ابريل العام الماضي لرفد الاقتصاد اللبناني بمساعدات مالية، بوقف التوظيف العام وإعادة النظر بنظام التقاعد لموظفي القطاع العام مقابل الحصول على مساعدات مالية.

مؤسسات عاطلة عن العمل!

وإلى جيش الموظفين، هناك مؤسسات عامة تُكبّد خزينة الدولة المليارات وهي نوعان: الأولى متوقفة كليا عن العمل، والثانية في حاجة إما للدمج أو لإعادة النظر في هيكليتها. فبالنسبة للنوع الأول، ثمانٍ منها تبلغ موازنتها السنوية الإجمالية: 29,585,000,000 ليرة موزعة على: المجلس الأعلى السوري-اللبناني (885 مليون ليرة)، معرض رشيد كرامي الدولي في طرابلس (400 مليون ليرة)، مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك اللبنانية (13 مليار ليرة)، إدارة البريد والبرق (6,8 مليار ليرة)، المؤسسة العامة لترتيب الضاحية الجنوبية الغربية لبيروت “اليسار” (3,4 مليار)، مجلس الاعتماد اللبناني، المشروع الأخضر (2,4 مليار ليرة)، المؤسسة الوطنية للاستخدام (2,7 مليار ليرة).

أما الثانية فتكبّد الدولة حوالي 2,868,000,000,000 ليرة موزعة كالآتي: مؤسسة كهرباء لبنان التي تملك موازنة منفصلة عن موازنة وزارة الطاقة وتخضع لإدارة الوزير، أما مجلس إدارتها فشبه معطل وتقوم الوزارة بإنجاز كل الصفقات المتعلقة بالكهرباء (2 تريليون و100 مليار ليرة)، مجلس الإنماء والإعمار الذي يتمتع بصلاحيات شبه مطلقة بينما بإمكان العديد من الوزارات القيام بمهمته، كما أنه لا يخضع لديوان المحاسبة (656 مليار ليرة)، الهيئة العليا للإغائة (66 مليار ليرة)، هيئة إدارة السير (44 مليار ليرة)، المجلس الاقتصادي والاجتماعي (2 مليار ليرة).

“ظلام” الكهرباء

يُشكّل واقع الكهرباء في لبنان حالة دراسة نموذجية عن واقع لبنان سواء في انعدام التخطيط أو سوء التنفيذ أو التسيّب الإداري وتفشي المحسوبية. ولهذه الأسباب يعمّ الظلام في لبنان.

ويبلغ إجمالي عجز الكهرباء المتراكم خلال عام 26 عاماً (من العام 1992 وحتى نهاية العام 2018)، 36 مليار دولار أميركي، ما يمثل نحو 45% من إجمالي الدين العام الذي تخطى الثمانين مليار دولار مع نهاية 2018. في المقابل، بلغت التحويلات من مصرف لبنان لتغطية عجز الكهرباء 1،295 مليار دولار خلال العام 2017، ما يمثل 2،4% من إجمالي الناتج المحلي أو 6،8% إذا أضيفت الفوائد السنوية المقدّرة بـ2،4 مليار دولار الناتجة عن العجز المتراكم.

وكان من شأن حل مشكلة الكهرباء في أواسط التسعينات، خفض حجم الدين العام إلى 43 مليار دولار مع نهاية العام 2017، وتوفير كلفة هائلة على المواطنين تتجاوز الـ17 مليار دولار (تقدّر حالياً بما بين 1،1 و1،2 مليار دولار) تُدفع لأصحاب المولدات الخاصة علاوة عن الإضرار والمشكلات البيئية، وتحقيق نمو إضافي للاقتصاد الوطني بمعدل يتراوح ما بين 1 و1،5% سنوياً وفق تقرير البنك الدولي، وانخفاض نسبة الدين العام للناتج المحلي إلى حدود 80% بدلاً من نحو147% للعام 2018.

ورغم إقرار الحكومة اللبنانية أخيراً خطة الكهرباء التي أعدّتها وزارة الطاقة القائمة على اعتماد حلول مؤقتّة كالبواخر بالتزامن مع إنشاء معامل دائمة وتحسين الجباية، إلا أن ثقة اللبنانيين بالمسؤولين لتحقيق حلم كهرباء 24/24 غير متوفّرة، لأنها أزمة مُزمنة عصية على الحل لأسباب فنية، مالية وسياسية.

تهرّب ضريبي بالمليارات

ولعل أبرز مزاريب الهدر في لبنان التي ارتفعت الأصوات المطالبة بوقفها هي التهرّب الضريبي الذي يُقدّر بنحو 3 مليارات دولار سنوياً لا تدخل إلى خزينة الدولة، والذي تُمارسه شركات ومؤسسات وتجار أصحاب المهن الحرّة، مثل أطباء ومحامين ومهندسين وغيرهم، إذ يقدّمون لوزارة المالية أرقاماً لا تعكس حقيقة مداخيلهم السنوية.

ويأتي التهرب الضريبي بشكل خاص من ضريبة الدخل (حيث يقدّر التهرب بــ1.9 مليار دولار)، والضريبة على القيمة المضافة TVA (1.6 مليار دولار)، وفواتير الكهرباء والتعليق (400 مليون دولار) والرسوم العقارية (200 مليون دولار).

كما تخسر الدولة اللبنانية نحو 700 مليون دولار نتيجة التلاعب بالرسوم الجمركية والتهرّب منها عبر المرفأ والمطار والمعابر الحدودية يُضاف إليها التهريب عبر المعابر غير الشرعية للبضائع، لاسيما من سوريا. ناهيك عن الضرائب العقارية الخاضعة لتخمينات وهمية بحيث تُسجل العقارات بين 20% إلى 30% أقل من قيمتها الفعلية.

الجمارك.. هدر ثقيل

ومن التهرّب الضريبي، مزراب هدر آخر موجود في التهرّب الجمركي. وتشير دراسات أعدّتها جمعيّات متعددة إلى أن قيمة الهدر في الجمارك ومرفأ بيروت تتجاوز 400 مليون دولار. وهي موزّعة بين عمليات التحايل الجمركي كالتلاعب بالرسوم والبيانات وتمرير البضائع عبر الخط الأخضر “المتسامح”، وبين التهريب البري من سوريا وإليها عن طريق معابر غير شرعية.

وتشير المعلومات إلى أن هناك 136 معبراً غير شرعي يتم التهريب عبرها.

تعديّات بحماية سياسية على الأملاك البحرية

وتنضم الأملاك البحرية والنهرية إلى لائحة مزاريب الهدر في لبنان.

واللافت أن بعض تلك التعديات مشرّعة من الدولة أو محمية من قبل شخصيات نافذة في الدولة تمنع أو تؤخّر صدور قانون يُنظّم ويسوّي هذا القطاع. أما حجم التعديات على طول الشاطئ اللبناني، فيفوق 4.5 مليون متر مربع.

وقدّر بعض الخبراء المبالغ المتوجب على “المعتدين” دفعها للدولة بنحو مليار دولار لتسوية وضعهم، إضافةً إلى مبلغ سنوي ما بين مئة ومئتي مليون دولار.

النتيجة…عجز ميزان المدفوعات

كل هذه المزاريب أوصلت العجز في ميزان المدفوعات في العام 2018 إلى 4,823 مليون دولار مقارنة بعجز 156 مليون دولار في العام 2017، وهذا هو الرقم الأعلى في عجز ميزان المدفوعات الذي يُسجّل في تاريخ لبنان. وهو مؤشر خطير حول مدى القدرة بالدفاع عن سعر استقرار الليرة وتوفر العملات الأجنبية.

10 بنود إصلاحية

وفي السياق، أشار الباحث في الدولية للمعلومات محمد شمس الدين لـ”العربية.نت” إلى “أن الدولة تستطيع إجراء إصلاح في العديد من القطاعات وتحصيل الضرائب منها، قبل المس بالرواتب والأجور، التي تحتل المرتبة الأخيرة في البنود العشرة للإصلاح”. وذلك في معرض ردّه على كلفة تخفيض رواتب موظفي القطاع العام وتقليص مستحقّاتهم على الخزينة.

ولفت إلى “أن تحصيل الضرائب يبدأ من الفئات الأغنى ليصل إلى الأضعف، والمعتدون على الأملاك البحرية خير مثال، فمعالجة تلك التعديات تؤمن للدولة سيولة كافية لسد قسم لا بأس به من عجز الموازنة”، مضيفا أن “من أصل 1250 مخالفاً، سبق وقدم حوالي 150 منهم طلبات تسوية، من دون أن يكون هناك أي إجراء بحق الممتنعين”.

كما تحدّث شمس الدين عن الهدر في قطاع الخلوي الذي يستطيع أن يؤمّن إيرادات هائلة للدولة. والأمر يسري كذلك على عجز الكهرباء البالغ 2500 مليار ليرة، إذ بإمكان الفرق الفنية في الوزارة سده في غضون أشهر، عبر إزالة التعديات الحاصلة (40% سرقة). أما بالنسبة للتهرب الجمركي، فهو موجود في كل دول العالم، ولا يمكن تقديره”، مشيرا إلى أن “التركيبة السياسية القائمة حاليا، لا تملك القدرة على ضبطه، لذلك يجب أن يكون التوجه للتركيز على إصلاحات أخرى ملموسة وأكثر فاعلية”.

وقال “رغم أن الأمر يتطلب توافقا سياسيا، إلا أن المصارف بدورها قادرة على المساهمة في سد العجز. أما الكلام عن هروب الرساميل في حال رفع الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 7 إلى 10%، فلا يستند إلى وقائع، والودائع والاستثمارات لن تتأثر مقارنة مع الفوائد في أوروبا، خصوصا أن أغلبية المودعين في لبنان من اللبنانيين المقيمين”.

عن INN-News

رئيس التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هفرين خلف.. المهندسة الكردية التي “آمنت” بوحدة سوريا

أعلن السبت عن مقتل الأمينة العامة لحزب “سوريا المستقبل” هفرين خلف، في انفجار عبوة ناسفة ...