الرئيسية / احدث الاخبار / السلطة والإنتحار

السلطة والإنتحار

محمد عواد

إزداد عدد الشباب الذي يقدم على الإنتحار في لبنان خلال هذه الأزمة التي تمرّ بها البلاد، لكن ما هو الإنتحار؟
لقد اعتدنا على الحياة والبقاء، ونُدرك أنّ الإنسان كائن أناني يقدم على الإنجاب ونشر جيناته عبر التزاوج مثله مثل أيّ كائن حيّ يستمرّ مجمّعه الجينيّ عبر التكاثر، ولكن كيف يخسر جيناته، هذا الكائن الأنانيّ، وكيف يُقدم على الإنتحار وهو قائم على التكاثر لا الموت؟

في دماغنا منطقتين، إحداهما تُدعى المنطقة الرمادية وهي المسؤولة عن إتّخاذ القرارات، انما قرار مثل الإنتحار لا يُمكن أنّ تتخذه لأنّها تعمل أساساً على اختيار ما يبقينا على قيد الحياة ويجعلنا نستمرّ، ولكن لماذا خدعتنا هُنا ؟ لماذا طلبت منّا الإنتحار ؟ هل هُناك خلل هورمونيّ كإفراز هورمون الدوبامين المسؤول عن السعادة والشعور بالحياة المثالية مثلا؟

نعم هذا جزء من المشكلة ولكن لنغوص بها أكثر، فعدم الشعور بالسعادة لا يكفي لجعل الدماغ يتّخذ قرار الخروج من المجمّع الجينيّ، علينا أنّ نبحث هُنا عن التغيّرات الدماغيّة من خلال الأحداث المُحيطة بنا، فتخيّلوا أنّ دماغنا عندما نقوم بأيّ عملية يقوم بحسابتها، ليعلم الخسائر والأرباح، فكيف إنّ كانت عمليّة إستثماريّة كُبرى مثل الزواج والإنجاب وهي تحتاج لسنوات طويلة من الخسائر لأجل الإستثمار بالأولاد والعائلة، وبعد مدّة من الإستثمار نُفاجىء دماغنا بأننا خسرنا كلّ شيء على لا شيء، أو أننا قمنا بصرف سنوات من العمل والأموال على حياة تافهة وفارغة ولن نستطيع أنّ نستعيد أيّ شيء مما صرفناه ولا أنّ نرَ بأولادنا ما صرفناه، هُنا الدماغ يتعرّض للخلل الهورمونيّ.

في بلدنا لبنان كلّ الطرق توصلنا إلى الخلل الهورمونيّ وتُشعرنا بخسارتنا، لذلك دراسة كميّة عمليات الإنتحار لا تقوم على البشر مجتمعين في كوكب الأرض إنّما تُقام على مستوى دول وأفراد، لأنّ المجتمع هو من يُسبب الإنتحار ونوعيّة الحياة التي نتعرّض لها والضغوطات، في بلدنا علينا أنّ نفكّر بالخسائر والأرباح، بكلّ شيء، فنحن نُفكر عن المواطن المُجرم والسارق، ونُفكّر عن التابع للأحزاب والسلطة الفاسدة، ونفكر بالكهرباء والمولد وبمياه الدولة وبمياه الصهريج، وبالقسط المدرسيّ وبلقمة العيش المغمّسة بالدماء، ونتلف دماغنا ونحنُ نفكر بالغد، وبالرصاص الطائش، وبالسلطة الطائشة، ونحلم بالهجرة، ونحلم بأن نرى أطفالنا يكبرون بعيداً عن هُنا، فهُنا هو الموت ونحنُ لا نُريد هذا النوع من الموت المؤلم، نُريد أنّ نموت بهدوء دون ضجيج هذه البلاد.

عن Sara Raad

مديرة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في لبنان .. آلاف من الطلبات للهجرة.. فقر مدقع .. وتسّول دولي

جويل غسطين إنه إنه بلد الحرف، بلد عشتروت وإليسار وفخر الدين، بلد السياحة المزدهرة، الطاقات ...