الرئيسية / مقالات / كيف قتل حزب الله الطائفة الشيعية في لبنان؟

كيف قتل حزب الله الطائفة الشيعية في لبنان؟

حسين عوّاد

يقول الباحث توماس سودندورف في كتابه “الفجوة” :

“العقل مفهوم صعب. أعتقد أنني أعرف ما هو العقل لأن لديّ واحد – أو لأنني عقل. قد تشعر بنفس الشيء. لكن عقول الآخرين لا يمكن ملاحظتها بشكل مباشر. نحن نفترض أن الآخرين لديهم عقول تشبه عقولنا – مليئة بالمعتقدات والرغبات – ولكننا لا نستطيع إلا أن نستنتج تلك الحالات العقلية. ولا يمكننا أن نرى أو نشعر بها أو نلامسها. نحن نعتمد إلى حد كبير على اللغة لإعلام بعضنا البعض بما يدور في أذهاننا”

من هذا الكلام نستنتج أن ما يميزنا كبشر ليس قدرتنا على التفكير والتخيل فحسب، ولكن تكمن قدرتنا البشرية التي تجعلنا مختلفين عن سائر الكائنات في امكانيتنا بالتكلم والبوح عن أفكارنا، وما نفع أفكارنا ان لم نبح بها وان لم نشاركها مع الاخرين؟ أوليس هذا تحديدا ما أوصلنا الى كل تلك الاكتشافات العلمية والطبية؟

تخيل لو كانت أفكارنا مكتوباً لها ان تبقى حبيسة عقلنا ولم نستطع كبشر أن نعبر عنها. ما كنّا سمعنا بالشعر ولا الادب، أو العلوم السياسية والاقتصادية، والفلسفة، وما كانت للأديان والمعتقدات أن تظهر…

ففي البدء، كانت اللغة المحكية، ثم جاءت الكتابة لحفظ الكلام وتناقله، وهذا ما مكننا من دراسة الحضارات القديمة عبر تحليل المخطوطات والاثار القديمة التي كتبها أو نقشها أسلافنا. هذه التراكمات اللغوية كانت السبب الرئيسي في تطور البشر، آلاف الافكار والخبرات الموروثة جيل بعد جيل، أدت بنا الى ما وصلنا اليه اليوم من التطور والحداثة، وكانت هذه القدرة سبباً لسيطرة شعوب على شعوب أخرى، ولتطور شعوب وتراجع شعوب أخرى ،وببروز الحضارات وموت حضارات أخرى.

فعذرا من ديكارت، “انا أبوح بما أفكر اذا أنا موجود”، ولكن هل يكفي التكلم لكي نتطور؟ هل مجرد فعل التكلم سيجعلنا نستمر؟ ماذا لو كنا فعليا نستطيع التكلم ولكن غير مسموح لنا البوح بجميع أفكارنا؟ هل ذلك ممكنا؟

في رواية “1984” لجورج أورويل، يقوم النظام الحاكم بالسيطرة على الشعب ويحدد له ما هو المسموح والممنوع، ولفرض سلطته كانت آلات الرصد مزروعة في كل مكان، في الطرقات والشوارع والأزقة والمنازل والمقاهي ومراكز العمل وحتى في الحدائق. وكانت آلات الرصد هذه لها دورين عمليين، الأول كوسيلة اعلامية اخبارية عبر بث الأخبار والتقارير والخطابات السياسية للشعب، والدور الثاني، وهو الاهم، كانت وسيلة للتنصت على الشعب ومراقبة كل حركة، وأي حرف ينطق. كانت أذن النظام صاغية جدا، وأي حركة تقوم بها كانت أعين النظام تراقبك.

يخبرنا جورج أورويل في الرواية أن اجهزة التنصت تلك لم يكن محور اهتمامها التنصت لما تتكلم به وانت واع فحسب، فكان اهتمامها أبعد من ذلك، فهم يريدون سماع افكارك التي تخاف من البوح بها، ككرهك للنظام مثلا، فنرى ان اجهزة الرصد تلك كانت تتسمع على المواطنين أثناء نومهم، فأي أفكار تشغل بالك وتخاف من التكلم عنها وتمتمتها اثناء نومك هي مسموعة، وأي كلمة خاطئة كانت كافية لتودي بك الى الموت. هذا القمع الذي مورس على حق الشعب في البوح بما يفكرون جعلهم يشعرون كما لو أنهم ليسوا على قيد الحياة. 

 أوليس هذا حال الطائفة الشيعية في لبنان؟ هل يستطيع المواطن الشيعي في لبنان أن يعارض زعمائه؟ هل يستطيع البوح بأفكاره ومناقشتها أمام الناس، أو حتى مع أقربائه أو أصدقائه ومعارفه؟ ألم يقتل الحزب الايراني قدرة الشيعي في لبنان على التكلم والتغيير؟ ألم يأخذ حقنا الذي يميزنا كبشر فأصبحنا الات تردد أفكار الزعيم والحزب فقط؟

كانت ثورة 17 تشرين كافية لتأكد لنا أن الحزب الالاهي لن يسمح لنا بالتكلم أو البوح بأفكارنا، فهو بهذا يقوم بقتل قدرتنا على التغيير والمواجهة والخروج عن طاعته. بعد 17 تشرين تبين لنا أن الشيعي لا يستطيع الوثوق حتى بعائلته وأقاربه ان كان الأمر يتعلق بالتكلم ضد نظام الفقيه في لبنان. فقد شهدنا كمّ من الشباب والشابات تعرضوا للضرب والترهيب المعنوي والنفسي من قبل أدوات الحزب لمجرد أنهم تكلموا, وقد كان كافيا أن تكتب “بوست” واحد ضد الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي لتصلك التهديدات بالقتل، وكم من شخص منع من دخول بلدته لمجرد أنه عارض الحزب؟

كيف تأثر هذه السياسات القمعية على الطائفة الشيعية في لبنان؟

لقد أصبحت طائفة مقموعة ممنوعة من التكلم والمشاركة في السياسة دون موافقة الحزب الالاهي، غير قادرة على التطور مع التغيّرات الحياتية والاجتماعية دون التأكد من أن ذلك لا يتعارض مع مشروع الحزب. ان مستقبل هذه الطائفة على يد هذا الحزب لن يكون مستقبلا واعدا، فماذا يوجد لدى هذه الطائفة اليوم لتورثه للأجيال القادمة غير الفكر الذي وضعه الحزب الايراني؟ لقد أصبحت مصلحة الحزب أهم من مصلحة المواطن الشيعي.

كل هذه الأمور تأكد لنا أنّ الطائفة الشيعية قد قُتِلَت، وحل مكانها المشروع الايراني.

عن Sara Raad

مديرة التحرير

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

x

‎قد يُعجبك أيضاً

في لبنان .. آلاف من الطلبات للهجرة.. فقر مدقع .. وتسّول دولي

جويل غسطين إنه إنه بلد الحرف، بلد عشتروت وإليسار وفخر الدين، بلد السياحة المزدهرة، الطاقات ...